أثقل من مجرد كتابة عادية …
العنوان"أثقل من رضوى"لكاتبته رضوى عاشور،لم يكن مجرد سيرة ذاتية بقدر ماهو بوح شخصي ،تفاعلت فيه الذات مع الكتابة ،ومع كل أطراف كتابة نص سير ذاتي ،فالزمن والذات والأحداث واللحظات والذكريات تراكمت داخل الكتاب لتجعل منه نصا مفتوحا على كل القراءات والتأويلات.
تعترف رضوى ببداية الكتاب بأدق تفاصيل حياتها للقارئ ،تتنزه مستحضرة الماضي والحاضر،بيت العائلة ثم تنتقل إلى المرض،لكن تفاصيلها الحاضرة في كل مواضيع هذا الكتاب ،تجعلها غير عادية،تقول رضوى واصفة نفسها:"منذ طفولتي وأنا أوصف بالمطيورة،في المرحلة الإبتدائية كانت هذه الملحوظة تتكرر في الشهادة الشهرية،مضافا إليه في الغالب أنني ثرثارة"،وفي وصف أخر تقول :"لأنني ساذجة؟لأنني متفائلة إلى حد البلاهة"،تقلب صفحات ذكريات بيت العائلة ،في شتى مراحل حياتها،تتذكر أخويها حاتم وماهر،وتقول في وصف والدتها:"كانت الأم ترسم وتعزف وتنضم الشعر،كانت تعتني بأبنائها كثيرا،ثم حين كبرت رضوى،أعلنت العصيان.."،كل هذا الإسترسال في الوصف والإخبار ،لكأنها تدعو القارئ ليقرأ أكثر معها هذه الحياة.
فيتقدم المرض برضوى ،ليأخذ السرد القسم الأكبر منه،بدا لها الورم بسيطا ببداية الأمر ،لكن سرعان ماكبر ،مما إضطرها للرحيل للعلاج بأمريكا،حتى بوجود المرض كانت تخبرالقارئ عنه كما لوكانت تتحدث مع نفسها،فتتحدث بكل عنفوان وصمود،بأقوال ممزوجة بالجدية أحيانا والسخرية،تقول رضوى:"هناك إحتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة،مادمنا قررنا أن لن نموت قبل أن نحيا"،ففي كل مقاطع الحديث عن المرض،تتكون لدى أي قارئ صورة حية عن رضوى ،صورة مغايرة عن كتب السيرة الذاتية،فنحن أمام نص إبداعي يصور لنا الواقع والممكن معا في داخل ذات الكاتب.
لم تكتفي الكاتبة بلمس جراحها فقط،وفتح صفحات ألامها،بل إستدعت كل شئ مرتبط بحياتها،تكلمت عن البيت والجامعة،عن الزوج والإبن تميم،وعن السياسة والثورة ،تقدمت بإعترافات وتصريحات عن كينونة الأنا وتفاعلها مع الأخر،مستعملة إستراتيجية خطابية في النص ،ذات دينامية خاصة،وبأسلوب أخاذ ،وإن كان يعبر عن شئ،غير ذات رضوى المبدعة التي كونت كتابة أثقل من كل الكتابات في نص السيرة الذاتية،تقول رضوى:"أعتقد أن الإبداع نص فني،من أعقد إختراعات البشر وأكثرها عجبا،لأنها تنقل أحمالا متراكمة على بساط هش من الحروف والكلمات".
إن أفضل الكتب التي يكتبها الإنسان عن نفسه تلك التي تكون صريحة في دوارنها حول ذاته ،تلك التي تعتبر ترجمة ذاتية بالحرف لقصة حياته،فقوة الكتابة حول مركزية ذات الكاتب تبنى على حقائق،ووقائع،فالقارئ يقرأها ليكتشف بها مدى صدقية المؤلف ليجعله موضوعا لبحث نقدي عميق ،وكتاب "أثقل من رضوى"قد ضم ذكريات وحياة رضوى زاخرة بالعواطف وملئى بالأحداث الدرامية ،الفردية منها والإجتماعية إستندت على سردها ،ببساطة اللغة وقوة صراحة الأسلوب،بعيدا عن أي تزويف يخل بإبداعها لهذا النص،حيث تبدو الكتابة عندها أثقل من مجرد كلمات داخل نص،لتتعداه إلى فعل إبداعي لامثيل له،تشاركت فيه ذاتها الكاتبة مع الواقع واللغة المستعملة،وتطابقت فيه وظائف الكتابة الذاتية،قكتبت بكل دقة وضبط حياتها للقارئ،إنه لضرب جديد من الإبداع الحقيقي لكتابة نص سير ذاتي ،فهي التي تحدث عن كتابتها الجيدة آن كلاوسر حينما قال:"يبدو أن الكاتب الجيد هو الذي يكتب عن نفسه وعينه دائما على الخيط الرفيع الذي يمر عليه وعلى الأشياء".